مصطفى صادق الرافعي

209

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

السلام حين قال : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً * قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى . فلو كانت تلك القلة من عجز كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم أحق بمسألة إطلاق تلك العقدة من موسى ، لأن العرب أشدّ فخرا ببيانها وطول ألسنتها وتصريف كلامها وشدة اقتدارها ، وعلى حسب ذلك كانت ذرابتها على كل من قصّر عن ذلك التمام ، ونقّص من ذلك الكمال . وقد شاهدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وخطبه الطوال في المواسم الكبار ، ولم يطل التماسا للطول ، ولا رغبة في القدرة على الكثير ، ولكن المعاني إذا كثرت ، والوجوه إذا افتنّت كثر عدد اللفظ وإن حذفت فضوله بغاية الحذف . ولم يكن اللّه ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئا لا يعطيه محمدا ، والذين بعث فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن . وإنما قلنا هذا لنحسم وجوه الشغب ، أن أحدا من أعدائه شاهد هناك طرفا من العجز ، ولو كان ذلك مرئيا ومسموعا لاحتجوا على الملا ولتناجوا به في الخلا ، ولتكلم به خطيبهم ، ولقال فيه شاعرهم ، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم ، وتسرّع شعرائهم ، هذا على أننا لا ندري أقال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أم لم يقله ، لأن مثل هذه الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف ، والحديث المعروف ، ولكنا بفضل الثقة وظهور الحجة ، نجيب بمثل هذا وشبهه . « وقد علمنا أن من يقرض الشعر ويكلف الأسجاع ، ويؤلف المزدوج ويتقدم في تحبير المنثور ( لا يكون كذلك إلا ) وقد تعمّق في المعاني وتكلف إقامة الوزن ، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا راهوا مع قلة لفظه وعدد هجائه ، أحمد أمرا ، وأحسن موقعا من القلوب ، وأنفع للمستمعين ، من كثير خرج بالكدّ والعلاج ، ولأن التقدم فيه ، وجمع النفس له ، وحصر الفكر عليه ، لا يكون إلا ممن يحب السمعة ، ويهوى النفج « 1 » والاستطالة وليس بين حال المتنافسين وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق وحجاز ضعيف ، والأنبياء بمندوحة من هذه الصفة ، وفي ضد هذه الشيمة . وقال اللّه تعالى وقوله الحق : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ثم قال : وَما يَنْبَغِي لَهُ ثم قال - أي في الشعراء - أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ فعمّ ولم يخصّ ، وأطلق ولم يقيّد . فمن الخصال التي ذمهم بها ، تكلف الصنعة ، والخروج إلى المباهاة ، والتشاغل

--> ( 1 ) السمعة : الصيت . النفج : الافتخار .